عبد الملك الجويني
461
نهاية المطلب في دراية المذهب
قلنا : الضمان واجبٌ ، لأنه في تلك البلدة مسافرٌ ، وإذا ضمَّنا المسافر ، لم يقف وجوب الضمان على حصول التلف بما يختص بأخطار السفر ، وإن فَرض علينا من لا يهتدي إلى مأخذ الفقه إقامتَه بتلك البلدة ، فالإقامةُ في غرضنا شرٌّ من السفر ؛ فإنّ الذي عنيناه بالسفر المضمِّن مزايلةَ مكان المعاملة ، وهذا المعنى حاصل نوى الإقامة ، أو لم ينوها . وكل ذلك فيه إذا لم يأذن له المالك في السفر . 4876 - فأما إذا أذن له في المسافرة ، فلا شك أنه يسافر بالإذن أميناً غيرَ ضامنٍ . والكلام يقع وراء ذلك في مؤن السفر ، فنقول أولاً : الأعمالُ في حق المقيم قسمان : أحدهما - ما يتولاه العامل بنفسه ، وهو ما جرت به عادة التجار ، كطي الثياب ونشرها ، وردها إلى الأسفاط ( 1 ) ، وإخراجها منها . إذا كان من هذا القبيل ، فلا يستأجر العامل عليه بأجرة يُخرجها من مال القراض . نعم . إن أراد أن يستأجر بأجرةٍ يبذلها من خاصِّ ماله ، فله أن يفعل ذلك . والقسم الثاني من الأعمال ، ما لا يتولاه التاجر بنفسه غالباً ، وقد جرت عادةُ التجار بالاستئجار عليه ، وهو كالكيل والوزن ، والنقل من مكانٍ إلى مكان ، فالمقارض يستأجر على هذه الأعمال ، ويؤدي الأجرةَ من مال القراض ، ولو تولاه العامل بنفسه ، وأراد أن يأخذ أجرةَ نفسه من مال القراض ، لم يكن له ذلك ، ونجعله متبرعاً بتلك الأعمال . وأما نفقة العامل في الإقامة ، فلا نحتسب شيئاً منها من مال القراض . وكذلك أجرةُ المسكن الذي يسكنه العامل محسوب عليه من ماله . وأجرة الحانوت الذي يتَّجر عليه مأخوذةٌ من مالِ القراض . وإذا أراد السفر بالإذن فإنه يخرجُ من مال القراض مؤن الجمال وكذا الجَمّال ، وما تمس إليه الحاجة في نقل المال وصيانته . فأما نفقة العامل في نفسه ، فالذي نص
--> ( 1 ) الأسفاط : جمع سَفط ، وزان سبب وأسباب . والسقط : ما يخبأ فيه الطيب والثياب ونحوها ( مصباح ) .